أبي منصور الماتريدي
127
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ولأن القرآن يجهر به ، وسائر الأذكار لا تجهر ، فإن كانت تجهر فيستمع لها كما يستمع إلى القرآن ، والله أعلم . وذكر في بعض القصة أن الآية نزلت في الصلاة ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ في صلاته كانوا يقولون مثل [ ما قال ] « 1 » ، فنزلت الآية بالنهي عن ذلك ، والأمر بالاستماع إليه والإنصات له . وذكر أنهم كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار ؛ فنزلت الآية لذلك ، فلا ندري كيف كانت القصة ؟ وفيم كانت ؟ وقد يحتمل ما ذكرنا آنفا . ثم إن كانت الآية في الصلاة ففيه دلالة النهي عن القراءة خلف الإمام « 2 » ؛ لأنه أمر بالاستماع إليه والإنصات له ، وعلى ذلك جاءت الأخبار ؛ روي عن أبي العالية « 3 » قال : كان نبي الله صلى اللّه عليه وسلم إذا صلى قرأ أصحابه أجمعون خلفه ، حتى نزل : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا فسكتوا « 4 » . وعن علباء بن أحمر « 5 » أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قرأ في صلاة الفجر « الواقعة » ، وقرأها رجل خلفه ، فلما فرغ من الصلاة قال : « من الذي ينازعني في هذه السورة » فقال رجل : أنا يا رسول الله ؛ فأنزل الله : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا « 6 » وغير ذلك من الأخبار . فقال قوم : إن الإنصات الذي أمر به المؤتم معناه ألا يجهر بقراءته ، وليس فيه نهي أن يقرأ في نفسه .
--> ( 1 ) في أ : ذلك . ( 2 ) ينظر المبسوط ( 1 / 199 ) ، بدائع الصنائع ( 1 / 111 ) . ( 3 ) رفيع بضم أوله مصغرا ابن مهران الرياحي بكسر المهملة مولاهم أبو العالية البصري مخضرم إمام من الأئمة ، صلى خلف عمر ، ودخل على أبي بكر وعلي وحذيفة ، وخلق كثير . وعنه قتادة وثابت وداود بن أبي هند بصريون وخلق . قال عاصم الأحول : كان إذا اجتمع عليه أكثر من أربعة قام وتركهم . قال مغيرة : أول من أذّن بما وراء النهر أبو العالية . قال أبو خلدة : مات سنة تسعين وهو الصحيح . ينظر : الخلاصة ( 1 / 330 ، 331 ) ، تهذيب الكمال ( 1 / 416 ) ، تهذيب التهذيب ( 3 / 284 ) ، تقريب التهذيب ( 1 / 252 ) ، الكاشف ( 1 / 312 ) ، تاريخ البخاري الكبير ( 3 / 326 ) . ( 4 ) ذكره السيوطي في الدر ( 3 / 286 ) وعزاه لعبد بن حميد وأبي الشيخ عن أبي العالية . ( 5 ) علباء بن أحمر اليشكري عن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري وعن عكرمة . وعنه عزرة بن ثابت وحسين بن واقد . وثقه ابن معين . ينظر : تهذيب الكمال ( 2 / 953 ) ، تهذيب التهذيب ( 7 / 273 ) ( 476 ) ، تقريب التهذيب ( 2 / 30 ) ، خلاصة تهذيب الكمال ( 2 / 240 ) ، الكاشف ( 2 / 276 ) ، تاريخ البخاري الكبير ( 7 / 78 ) . ( 6 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 161 ) ( 15594 ) عن الزهري بنحوه . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 286 ) وعزاه لابن جرير عن الزهري .